الأربعاء، 7 أبريل، 2010

سعيد فودة يحذف الردود

بارك الله فيك

وأنا حضرت كتابتك الموضوع وحذفه في منتدى الأصلين أكثر من مرة
ويدعي فودة ومن معه أنهم لا يمانعون من الحوار ومستعدون لإبطال كل أدلتنا ... الخ
فإذا جاءت المواضيع العلمية والمسائل الكبيرة حذفوها أو أرسلوا أحد سفهائهم ليصب الكلام القبيح على كاتبها فإذاما رد عليه أوقفوه بحجة إساءة الأدب ، وتركوا صبيهم
وإذا كان المناقش ضعيفاً أو لا يظهر قوته في فهم المسائل ناقشوه وتكالبوا عليه

ونصيحتي لطلبة العلم أن يزوروا منتداهم ويردوا عليهم في قسم ( المحاورات ) وأن لا يتركوا لهم الفرصة بهذا المنهج الرديء ليقولوا : ما أحد قادر على حوارنا

بل تكالبوا عليهم حتى يفضح أمرهم ويقوموا بإغلاق هذا القسم ( المحاورات والمناظرات )

ومن أراد المساعدة ممن لا يعرف منتداهم أو يرغب بخلفية عنه فأنا مستعد


الأحد، 4 أبريل، 2010

الرد على فودة في مسألة الإرادة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذا موضوع كنت نشرته في منتدى الأصلين منتدى المناظرات والمحاورات ست مرات، وقام فودة وجمال عبداللطيف المشرفان على المنتدى بحذفه ست مرات، فرأيت أن أنشره هنا، رجاء أن ينفع الله به.
فإن كان ثم خطأ فصححوا لي.
والسلام عليكم ورحمة الله
الرد على فودة في مسألة الإرادة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد :
قال الإمام الطحاوي رحمه الله : (ولا يكون إلا ما يريد)
أقول :
يكون هنا تامة بمعنى يوجد أو يحصل، وقد سلمه فودة، ومعنى الكلام على هذا أنه لا يوجد إلا ما أراد الله وجوده. وإرادة الوجود هي المعروفة عن أهل السنة اليوم بالإرادة الكونية أو التكوينية على وجه الاصطلاح لا الوضع اللغوي، وهذه لا يتخلف عنها المراد، وهذا كله يسلمه فودة، ولا خلاف لنا معه.
 
قال فودة (والمعنى: لا يوجد إلا ما يريده الله. كل ما هو كائن وموجود وواقع في الوجود فهو بإرادة الله قد وقع. والباء إما سببية أو للملابسة: إرادة الله سبب وجود الموجودات، هذا يستلزم أن كل ما أراد الله عدم وجوده فإنه لا يمكن أن يوجد. يعبر العلماء عن هذا المعنى: يستحيل تخلّف إرادة الله سبحانه. بمجرد تعلق إرادة الله بشيء يستحيل أن يتخلف وجوداً. هذا ما يسمى بمفهوم الإرادة عند علماء أهل السنة)
وكلامه هنا حسن إلا قوله : (هذا ما يسمى بمفهوم الإرادة عند أهل السنة) فإن هذا لا هو تعريف الإرادة ولا هو مفهومها على فرض المخالفة بين تعريفها والمفهوم منها، ولكنها فائدة الإرادة، فإن قال: إنما أردت هذا.

قلنا : أسأت العبارة.
وإلا فالإرادة عند أئمته صفة زائدة على الذات تقتضي اختصاص الممكن ببعض الصفات دون بعض. وقولنا "تقتضي الاختصاص" أحسن من قول بعضهم "تخصص" فإن إخراج الممكن إلى حيز الوجود هو فعل القدرة، والقدرة لا تخرج الممكن كلياً، بل مخصوصاً ببعض الصفات، والإرادة تقتضي أن تخرجه القدرة على الوجه المخصوص لا أنها هي تفعل ذلك في الممكن. ولهذا عبر الصابوني في (البداية من الكفاية) صفحة 82 بالاقتضاء، وعبارته بتمامها "وهي صفة تقتضي تخصيص المفعولات بوجه دون وجه ووقت دون وقت"
وأنا لا أقول أن فودة يجهل هذا التعريف، فإنه قد استدرك ذلك وذكر التعريف بما يقرب مما ذكرت وهو قوله : " الإرادة عبارة عن صفة يتصف الله بها. بتوسط هذه الصفة يتم تخصيص الموجودات أو الممكنات بما يجوز عليها من الصفات" وهذا التعريف مع أنه منتقد لعمومه، فإنه يلتقِ مع ما ذكرنا في كونها تقتضي التخصيص على الوجه المذكور.
ووجه الانتقاد أنه لم يذكر كون الصفة زائدة عن الذات، فلم يتميز من هذه الحيثية عن مذهب من قال أن الله جل وعلا مريد لذاته كما هو مذهب النجار من المعتزلة، ولا تميز عن مذهب القائلين أنها صفة زائدة قائمة لا في محل كما هو مذهب أبي هاشم وغيره من المعتزلة.
كما أن قوله "تخصيص الموجودات أو الممكنات" هكذا منقوض عليه بأن الإرادة لا تعلق لها بصفات الله تعالى، من علم وقدرة وحياة وسمع وبصر وكلام، فإن هذه الصفات كل واحدٍ منها يختص بما يميز عن الأخرى، ومع ذلك لا تعلق للإرادة بها أصلاً.
فعبارته هنا سيئة أيضاً، وإلا فهو يعرف وجوب تقييد ذلك بالممكنات كما ذكره هو نفسه في شرحه للطحاوية حيث قال : " في نفس الأمر هي صفة تخصص الممكن ببعض ما يجوز عليه" فذكر تعلقها بالممكنات.
وهذا التعريف أيضاً يدخل عليه الانتقاد من جهتين، الأول قوله التخصيص كما تقدم، والثاني قوله "ببعض ما يجوز له" وأظنه أخذه والله أعلم من شرح الميداني على الطحاوية، ولم أجزم لجواز أن يكون الميداني نفسه أخذه من بعض من سبقه، فيكون ذلك السابق هو مصدر فودة أيضاً. والله أعلم.
لكن لا أرى الإطالة بهذا إذ ليس هو مقصود الجواب. فيكفي أن المقصود من معنى الإرادة متفق عليه بينهم.
واتفق أهل السنة والكلابية والأشاعرة والماتريدية على أن هذه الإرادة متى تعلقت بوجود ممكن وُجِدَ ولا بُد، فقال جميع هؤلاء "ما شاء الله كان" وهذا كافٍ في الدلالة على أن تعلق الإرادة تنجيزي. ومع ذلك زادوه وضوحاً، فنقل الميداني في شرحه عن اللقاني قوله : ".. والحاصل أن المشيئة عبارة عن الإرادة التامة التي لا يتخلف عنها الفعل، والإرادة تطلق على التامة وعلى غير التامة. فالأولى هي المرادة في جانب الله ..." ثم نقل عن اللقاني أيضاً قوله : "مذهب أهل الحق أن كل ما أراد الله تعالى فهو كائن، وكل كائن فهو مراد له، وإن لم يكن مرضياً له ولا مأمور به، وهذا ما اشتهر عن السلف ’ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن‘ وخالفت المعتزلة في الأصلين"
 
ومما قاله فودة في شرحه للطحاوية : " ولا يجوز أن يقال إن معنى أن الله مريد لكل شيء أنه يسمح به، أي أنه لو أراد عدم وجوده لما وجد، لأنه يؤول إلى أن إرادته تعالى سلبية، بمعنى أن بعض ما لم يرده الله قد يوجد بإرادة غيره، وهو قول المعتزلة، وهو قول باطل، ومخالف لقول الطحاوي كما تراه، لأن الطحاوي حصر الكون في الإرادة. ومعنى هذا أن كل موجود مراد لله، فلا يوجد شيء بغير إرادة الله تعالى، كما يقوله المعتزلة بوجود أمور بإرادة العبد لا بإرادة الله تعالى.
وهذه النكتة لم يتنبه إليها أحد من شراح الطحاوي، لا المجسمة ولا أهل السنة من الأشاعرة ولا من ادعى التجديد منهم؟!" انتهى.

فأنت ترى أنا ما تبجح باستدراكه لم يغفل عنه من سبقه من الشراح، ولا زال جميعهم ينبهون على أن عبارة الطحاوي هذه أو غيرها مما فيه ذكر للمشيئة فيها رد على القدرية، وهم هنا المعتزلة، ونبهوا على أن إرادته نافذة. والسماح ليس من معاني الإرادة، بل هو فعل يحتاج في وجوده إلى الإرادة، ولم تقل المعتزلة أن الله سمح بوجود ما لا يريد، لأن هذا مشعر أنه لو أراد أن لا يسمح به فلن تحدث، بل هم، تعالى الله عن قولهم، يعجزونه عن ذلك، فيزعمون أن الله لا يقدر على أفعال المكلفين، واختلفوا في قدرته على مثلها، ولو أن العبد أراد فعل الكفر والشرك لم يقدر الله عندهم على منعه، ففعله لم يوجد لسماح الله به عندهم، بل لعجزه عنه جل وعلا عن قولهم، عن منعه وعدم السماح به.
 
فإذا أُنكر عليهم تعجيز الله جل وعلا عن خلق فعل المكلف وإعدامه وعدم السماح بوجوده، اعتذروا بما تعتذر به الأشاعرة من تعجيز جل وعلا عن عن الفعل مطلقاً، فيقول جميعهم، إنما امتنع منه لامتناعه في نفسه والله لا يوصف بالقدرة على الممتنعات. ويجعلون العبد قادراً على جميع ذلك فيسمح بفعل غيره ويمنعه إن قدر عليه، كما يستطيع أن يفعل ما لم يكن يفعل ويترك ما كان يفعل، أما الله عند الطائفتين، فلا يستطيع شيئاً من ذلك بزعم أنها محالات، فهو في الحقيقة عاجز عندهم عن فعل الممكنات.
القصد هنا أنه ليس في كلام فودة فائدة جديدة أتى بها، بل تعبير عما سبقه إليه الناس بعبارة مغايرة.

إلا أن هذه الإرادة عند أهل السنة ليست هي المحبة والرضا والسخط والبغض، لذا فرق بينهما الإمام الطحاوي فقال في موضع آخر : (والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى) والغضب عند المتكلمين أشاعرة ومعتزلة هو إرادة الانتقام وإنزال العقوبة، والرضا إرادة المثوبة، فهما بمعنى الإرادة إلا في المتعلق. ولما كان مبنى العقيدة الطحاوية على الاختصار كان الواجب أن يكتفي بقوله (ولا يكون إلا ما يريد) وإنما حمله على ذكر الغضب والرضا أنهما صفتان ذاتيتان لله جل وعلا ليستا بمعنى الإرادة، أي التكوينية المذكورة في العبارة السابقة، وإلا لما كان لذكرهما معنى لأنه تكرار في محل الاختصار.
ولكونهما صفتان من صفات الله جل وعلا أتبع العبارة بقوله (لا كأحد من الورى). وكأنه صَعُبَ على فودة تفسيرها بما يوافق أصول معتقده فترك الكلام عليها رأساً في شرحه للطحاوية.
وهذا كما قال أبو الطاهر الهكاري القرشي رحمه الله : ".. وأن الخير والشر من الله تعالى، الخير بقضائه وقَدَره وحكمه وإرادته ومشيئته ورضائه ومحبته، والشر بقضائه وقدره وحكمه وإرادته ومشيئته، ليس بأمره ولا برضائه ولا محبته" (بيان اعتقاد أهل الإيمان) 43 – 45.
أما الكلابية والأشاعرة ومن وافقهم فاختلفوا في هذا، هل الحب والبغض والرضا صفات قائمة بذات الباري مغايرة للإرادة أم لا بل هي هي إلا في المتعلق؟
وأكثرهم على التسوية قال أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني رحمه الله في (الرسالة الوافية) : "ومن قولهم ـ يريد أهل السنة بحسب فهمه لكلامهم ـ : أن الله لم يزل مريداً وشائياً ومحباً، وراضياً وساخطاً وموالياً ومعادياً، ورحيماً، ورحماناً، وأن جميع هذه الصفات راجعة إلى إرادته في عباده ومشئيته في خلقه .. " إلى آخر كلامه رحمه الله. وعليه جرى أكثر الأشاعرة.

أما من فرق منهم فإما أن يجعل للحب معنى معقول، ويسكت عن الكيف، وإما أن يثبت الصفة ويسكت عن المعنى والكيف. والثاني مفوض، ولا كلام لنا معه. أما من أثبت معنى معقول فإما أن يُجيز إطلاق لفظ الإرادة بمعنى أعم يشمل الحب والرضا، أو يقصره على معنى المشيئة النافذة. فعلى الأول لا خلاف معه، لأنه يثبت إرادة قد يتخلف عنها المراد كما في المحبة والرضا في بعض الأحيان، وقد اصطلح على تسميتها إرادة تشريعية دينية، وهي شاملة للأمر والنهي، وعلى الثاني: فالخلاف معهم لفظي فقط، وهو: هل يجوز أن يطلق على هذه الصفات لفظ الإرادة أم لا، مع التسليم أنه لا يلازمها متعلقاتها، كحصول المحبوب والمرضي. وسيأتي تفصيل ذلك.

أما من أرجع الجميع إلى معنى الإرادة، فالخلاف معه حقيقي معنوي، فنقول لهم: فأخبرونا عن ماهية الإرادة، لا فائدتها. وجوابهم أنها صفة قديمة قائمة بذاته، ثم يجعلون فائدتها هي الخاصة التي تتميز بها عن غيرها، وهي اقتضاؤها التخصيص على ما سبق، إذ لا يمكن هنا ذكر الذاتيات المقومة لكونها بسيطة والبسيط لا يحد بالحد التام، كما هو الحال في الجوهر الفرد. فلنقنع منهم بذلك ولنقل:
أيتصف الله بإرادة واحدة أم له إرادات متعددة؟
جوابهم: واحدة.
ثم نقول : أيجوز عليها التغير أم لا؟
الجواب : لا.
ثم يُقال لهم : بعد الاتفاق على أن تعلقها الإرادة، هل تتغير الإرادة بالمتعلقات المختلفة، كالمحبة والرضا، والغضب والبغض؟
إن قالو : نعم. بطل قولهم بالإرادة الواحدة لأن الغضب بالضرورة غير الرضا، فإرادته المتعلقة بالمبغوض تخالف إرادته المتعلقة بالمحبوب. وهذا لا يجيب به الأشاعرة أصلاً، فكلهم متفقون على أن تعلق إرادته بالمكروه لا يلزم منه تغير الإرادة بحيث تختلف عن الإرادة المتعلقة بالمحبوب، بل هي كالعلم مع اختلاف المعلومات، فكما لا توجب المعلومات تغيراً في العلم فكذلك الإرادة، لم يخالف في ذلك سوى فودة، حيث قال في شرحه للطحاوي في معرض رده على ابن أبي العز رحمه الله : ".. واختلاف التعلقات لا يكون إلا باختلاف المتعلِّقِ، أي اختلاف الصفة نفسها، أي تعددها في ذاتها .. " !!
فإن اعتذر معتذرٌ فقال : إن هذا التعلق لا يوجب تغييراً حادثاً لأن تعلق الإرادة بالممكنات أزلي، فكيف يحدث التغيير في الأزل؟ فإنا لو صححنا حدوث التغاير في الأزل لكان الحدوث أزلياً، وهذا تناقض.
قلنا : هذا صحيح بالنسبة إلى حدوث التغير، ونكتفي بأنه يلزمكم التغاير في الأزل من دون أن يكون حادثاً.

أما إذا أجابوا: بلا، لا توجب المتعلقات تغاير في صفة القدرة الواحدة الأزلية، بل مع اختلاف المتعلقات فالإرادة هي هي، واحدة بالعين.
قلنا : فإرادة المحبوب هي عين إرادة المبغوض. لا بمعنى أن ثمة إرادتين متماثلتين بالحقائق، بل ما ثم إلا إرادة واحدة.
فلا بُدَّ من نعم.
فيقال لهم : يلزمكم أن الله أراد خَلَقَ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بنفس الإرادة التي خلق بمقتضاها إبليس اللعين.
فلا بُدَّ من نعم.
وحينئذٍ يلزمهم ما لا قِبَل لهم به، وهو أن الله جل جلاله، وتنزه عن أقوال أهل السفه والبدع، أراد أن يخلق محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم فكان إبليس، وأراد أن يخلق إبليس فكان نبينا صلى الله عليه وسلم. إذ أن إرادة خلق هذا هي عين إرادة خلق ذاك.

أفٍّ لقول يكون هذا هو منتهاه وقصاراه.

ثم يقال لهم : أليس أراد الله أن يخلق العالم؟
جوابهم : نعم.
فيقال : فالعالم الذي أراد الله خلقه، هل يريد الله اليوم خلقه؟
إن قالوا : لا. لزم تغير الإرادة، وهو باطل على أصل مذهبهم. لأنها قائمة بذات الله، وذاته لا تحلها عندهم المتغيرات، لأن التغير نوع حدوث، فيلزم من تغير الإرادة في ذاته حدوث الذات.
وإن قالوا : نعم. قلنا: فيلزم أنه يريد تحصيل الحاصل، وهو إيجاد العالم الموجود، وهو باطل، إذ تحصيل الحاصل ممتنع، والله لا يوصف بالقدرة على الممتنعات، والفرض أن إرادته تنجيزية.
تعالى الله عن قولكم علواً كبيرا.

ثم يقال لهم : إرادة الله، هل هي عندكم متعلقة بكل الممكنات أو ببعضها دون بعض؟
إن قالوا : بل ببعضها دون بعض.
قلنا: فإذا جاز انتفائها من البعض جاز انتفاؤها من الباقي، لأن تعلقها بالممكنات إنما هو لإمكانها فقط، وهو مشترك بين جميع الممكنات. فلو جاز انتفاؤه من البعض لزم ما ذكرنا.
وإن قالوا : بل تتعلق بجميع الممكنات.
قلنا : فيلزمكم إما عدمها جملة أو وجودها جميعاً على صفة واحدة. بيانه إن كانت الإرادة واحدة بالعين لا يُتصور فيها التغاير بوجه، كانت إرادته لشيء هي عين إرادته لكل شيء، فإذا أرادَ العدمَ لممكنٍ كانت هذه الإرادة هي عين الإرادة في جميع الممكنات، فيلزم عدم الجميع.
وإن أراد الوجود على صفة ما، كانت هذه الإرادة هي عينها في جميع الممكنات لا يتصور تغايرها بوجه، فيلزم وجود جميع الممكنات على تلك الصفة المعينة.
وجميع هذا باطل يشهد الحس والعقل معاً ببطلانه.

ثم يقال لهم : إراداتنا مخلوقة باتفاق، وهي من هذه الجهة متعلقات لإرادة الله جل وعلا، فإذا أراد زيد تحريك جسم وأراد عمرو تسكينه، فإما أن يريد الله مراد زيد أو مراد عمرو أو المرادين جميعاً. فإن قلتم أراد مراد زيد دون عمرو، لزم أن إرادته لم تتعلق بجميع الحوادث، لأن إرادة عمرو حادثة، والله لم يرد حدوثها. وهكذا إن أراد حصول إرادة عمرو دون زيد، وقد تقدم الكلام على ما فيه. وإن قلتم : بل أرادهما جميعاً، قلنا: فهذا تناقض يتنزه الله جل وعلا عنه. إلا أن هذا يمكن الانفصال عنه بأن المراد هو نفس إرادة المخلوق لا مراده.

ويلزمهم لوازم أخرى أيضاً. لكن نكتفي بما ذكرنا ونقول : إذا تبين لك بطلان ما ذهب إليه هؤلاء صح مذهب أهل السنة وهو أن الله جل وعلا مريد بإرادة قديمة هي صفة ذاته، وليست هي المحبة والرضا والبغض والكره ونحوها، بل قد يريد الله جل وعلا ما لا يرضاه كما قال جل وعلا : (ولا يرضى لعباده الكفر) والكفر واقع منهم بإرادته. وقال جلا وعلا: (والله لا يحب الفساد) وهو موجود بإرادته وتقديره. وغيرها من الآيات
وقال القرطبي في تفسير الآية الأولى : "..وقيل: لا يرضى الكفر وإن أراده، فالله تعالى يريد الكفر من الكافر وبإرادته كفر لا يرضاه ولا يحبه، فهو يريد كون ما لا يرضاه، وقد أراد الله عز وجل خلق إبليس وهو لا يرضاه، فالإرادة غير الرضا. وهذا مذهب أهل السنة"
وهو مذهب الطحاوي حيث أفرد مسألة الغضب والرضا عن مسألة الإرادة فقال في موضع آخر (والله يغضب ويرضى، لا كأحد من الورى)، والغضب غير الرضا وكلاهما غير الإرادة، فإن قيل: نحن نؤوِّل كلامه هنا بإرادته اختلاف التعلقات.
قلنا : فلنا ظاهر كلامه رحمه الله، ولكم تأويله.

مذهب أهل السنة والحديث في الإرادة:
قال أبو القاسم الأصبهاني الشافعي في (الحجة في بيان المحجة) 1/423 : "والإرادة غير المحبة والرضا، فقد يريد ما لا يحبه ولا يرضاه، بل يكرهه ويسخطه ويبغضه. قال بعض السلف: إن الله يُقَدِّرُ ما لا يرضاه، بدليل قوله تعالى (ولا يرضى لعباده الكفر).
وقال قومٌ من المتكلمين : من أراد شيئاً فقد أحبه ورضيه، وأن الله تعالى رضي المعصية والكفر.
ودليلنا: أنه قد ثبت إرادته للكفر ونفي رضاه به، فقال تعالى : (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام) وقال (ولا يرضى لعباده الكفر) فأثبت الإرادة ونفى الرضا"
وقال أيضاً : "قال أحمد بن حنبل في رسالة الاسطخري: (إن الله يحب ويكره، ويبغض ويرضى، ويغضب ويسخط، ويرحم ويعفو، ويغفر ويعطي ويمنع). وهذا كلام يمنع أن يكون الإرادة كراهة في نفسها، لأنه فرق بينهما خلافاً لأهل الكلام أن الإرادة كراهة في نفسها. فعندنا يريد الله ما لا يحبه ولا يرضاه، بل يكرهه ويسخطه ويبغضه، والإرادة غير المحبة والرضا.

وقال جماعة من المتكلمين : الإرادة حب وبغض وغضب وسخط، وإن من أراد شيئاًَ فقد أحبه ورضيه، وأن الله تعالى رضي المعصية والكفر، وعندنا أن الرضا غير الإرادة بدليل قوله تعالى : (ولا يرضى لعباده الكفر) لأن النفي ضد الإثبات"

وقال الصابوني في (عقيدة السلف أصحاب الحديث) : وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقوة والقدرة، والعزة والعظمة والإرادة، والمشيئة والقول والكلام، والرضا والسخط والحياة، واليقظة والفرح والضحك وغرها من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى، وقاله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه، ولا تكييف له ولا تشبيه، ولا تحريف ولا تبديل ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب، وتضعه عليه بتأويل منكر، ويجرونه على الظاهر، ويكلون علمه إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله، كما أخبر الله عن الراسخين في العلم أنهم يقولونه في قوله تعالى: (والراسخون في العلم يقولون: آمنا به، كل من عند ربنا. وما يذكر إلا أولو الألباب)" انتهى.
فصرح أن الإرادة صفة، والرضا صفة، والسخط صفة، وألزم الأخذ بظواهر ما دلت عليه النصوص رحمه الله.

واستدلوا على التفرقة بما لا يحصى من الآيات والأحاديث إلا بكلفة. وليس هذا موضع البسط لذا نقول : أما الإرادة التكوينية فهي موضع اتفاق بيننا، أما الشرعية التي قد يتخلف عنها المراد أو المرضي أو المحبوب ففي قوله تعالى : (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وقوله تعالى (ولا يرضى لعباده الكفر) وقوله تعالى : (والله لا يحب الفساد).
والآية الأولى استدل بها الإمام ابن أبي العز الحنفي رحمه الله فاعترض عليه فودة بما لا يتفق وقول أئمة مذهبه كما سيأتي، ووجه الاستدلال بها أن إرادة الله جل وعلا لو كانت نافذة مطلقاً وليس فيها ما يدل على المحبة والرضا أو الأمر والنهي من غير أن يحدث المراد لما كان هناك عسرٌ قط، لكنه موجود. وهذا قد وافق عليه الأشاعرة، فكان حاملاً لهم على تأويل الآية إما على حذف تقديره (يريد الله أن يأمركم) أو على تأويلها بمعنى الطلب، وبالأول قال فودة في رده على ابن أبي العز، ولا يخفى أن كلا المعنيين لا يدل عليه النص بظاهره. فلا يستقيم الرد حتى تُبين الموجب لصرفه عن الظاهر. وقد قال ابن حيان في (البحر) وإنما احتيج إلى هذين التأويلين لأن ما أراده الله كائن لا محالة على مذهب أهل السنة، وعلى ظاهر الكلام لم يكن ليقع عسر؛ وهو واقع"
فتبين من كلامه رحمه الله أن استدلال ابن أبي العز موافق للظاهر، وليس له أن يلتجئ إلى التأويل من غير حامل عليه، وما ذكرتموه حاملاً ليس بصحيح، وإنما يصح لو كانت الإرادة لا معنى لها سوى ما ذكرتموه. وعندنا أن الإرادة قد تطلق ويراد بها المحبوب أو المطلوب حصوله، وإن لم يكن وجوده مراداً، والآية بظاهرها دالة عليه.
وقد حاول الألوسي رحمه الله الخروج من الإلزام فقال : "ورُدَّ ـ أي إلزام المعتزلة ـ بأن الله تعالى أراد التيسير وعدم التعسير في حقهما بإباحة الفطر، وقد حصل بمجرد الأمر بقوله عز شأنه : (فعدة من أيام أخر) من غير تخلف، وفي (البحر) تفسير الإرادة بالطلب؛ وفيه أنه التزام لمذهب الاعتزال من أن إرادته تعالى لأفعال العباد عبارة عن الأمر، وأنه تعالى ما طلب منا اليسر بل شرعه لنا، وتفسير اليسر بما يسر بعيد" انتهى (روح المعاني) 2/62.

وقد أخطأ رحمه الله في أمرين: الأول فيما نسبه إلى (البحر) من تفسير الإرادة بالطلب، فإن ابن حيان رحمه الله ذكر في تفسير الآية أمرين : الأول : حمل الإرادة هنا على الحقيقة، والثاني: على المجاز وأنها بمعنى الطلب هنا، وصرح بأن الطلب غير الإرادة. فعلى الأول؛ فإن في الآية محذوف وتقدير الكلام (يريد الله أن يأمركم باليسر) أو (يريد أمركم باليسر) وليس في هذا حمل الإرادة على معنى الأمر، وإلا لم يحتج إلى تقدير محذوف أصلاً. وعلى الثاني: فإن الإرادة لا تعني الطلب، لأنها لم تحمل عليه إلا مجازاً، ولو كانت الإرادة بمعنى الطلب لم يكن حملها عليه مجازياً، وقد صرح ابن حيان بالمجاز هنا. ثم أتبع ذلك مباشرة بأن الإرادة ليست بمعنى الطلب عند أصحابه. فأخطأ عليه الألوسي إذ اقتصر على نقل أحد المعنيين دون الثاني. وأخطأ حين نسب إليه ذلك القول جزماً، وهو إنما ذكر معنيين على سبيل احتمال الآية لأحدهما من دون أن يجزم بالمراد منهما، وليس منهما ما ذكره الألوسي ونسبه إليه. رحم الله الجميع.
على أن من أئمة الأشاعرة من صرح أن الإرادة تطلق بالاشتراك على المخصصة والأمر أو الطلب، كالشهرستاني، وسيأتي نقل كلامه.

والخطأ الثاني الذي وقع فيه هو في محاولته الخروج من إلزام المعتزلة بأن الله جل وعلا إنما أراد التيسير بواسطة الإباحة. فالسؤال عائدٌ عليه بأن يقال : فهل حصل التيسير بالإباحة لمن لم يأخذ بها؟ إن قال : نعم؛ كابر. وإن قال : لا، قلنا: فالآية مصرحة بأن الغرض من الإباحة وقوع التيسير ولم يقع لوجود من لا يأخذ بها.

وقد يعترض معترض بأن المراد هو التيسير لمن يعمل بالإباحة خاصة. وليس المراد التيسير لمن لم يأخذ بها. ويجاب بأن الإباحة إن كانت واقعة من أجل التيسير كانت الإرادة شاملة لكل من شُرِعَت له الإباحة، وإلا كان معنى الكلام أن الله أباح الفطر للمريض والمسافر يريد بذلك التيسير ولا يريده، وهذا إن لم يكن تناقضاً فإنه يعود على عموم الآية بالنقض، فهو باطل. بيانه أن معنى الآية على هذا التفسير أن المسافر أو المريض إن أفطر فإن الله شرع له الإباحة للتيسير، وإن لم يُفْطِر فإن الله شرع له الإباحة لغير التيسير.
ولعله من أجل ذلك لم يعول ابن حيان رحمه الله على هذا الجواب وصرح بأن الآية تحتاج إلى التأويل.
أما قوله جل وعلا (ولا يرضى لعباده الكفر) فهي أوضح دلالة من سابقتها. قال البغوي في تفسيرها : "قال ابن عباس والسدي: لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر، وهم الذين قال الله تعالى: "إن عبادي ليس لك عليهم سلطان" فيكون عامًا في اللفظ خاصًا في المعنى، كقوله تعالى: "عينًا يشرب بها عباد الله" يريد بعض العباد، وأجراه قوم على العموم، وقالوا: لا يرضى لأحد من عباده الكفر.
ومعنى الآية: لا يرضى لعباده أن يكفروا به. يروى ذلك عن قتادة، وهو قول السلف، قالوا: كفر الكافر غير مرضي لله عز وجل، وإن كان بإرادته"
وقال القرطبي في تفسيرها : "وقال ابن عباس والسدى: معناه لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر، وهم الذين قال الله فيهم: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) وكقوله: (عينا يشرب بها عباد الله) [ الإنسان: 6 ] أي المؤمنون. وهذا على قول من لا يفرق بين الرضا والإرادة. وقيل: لا يرضى الكفر وإن أراده، فالله تعالى يريد الكفر من الكافر وبإرادته كفر لا يرضاه ولا يحبه، فهو يريد كون ما لا يرضاه، وقد أراد الله عزوجل خلق إبليس وهو لا يرضاه، فالإرادة غير الرضا. وهذا مذهب أهل السنة" انتهى.

وقد اختلف في إطلاق لفظ الإرادة على الرضا، فمن جوز إطلاقه فمنهم من رأى الاثنين شيئاً واحداً، إلا أن الإرادة أعم تعلقاً، وهو مذهب الأشاعرة، ومنهم من قال إن الرضا غير الإرادة في المعنى والمتعلق جميعاً وإطلاق اللفظ عليهما إما على سبيل التواطؤ أو المجاز في الرضا. وقيل الاشتراك، وليس بشيء. والله أعلم.
وعلى الأخير يمكن أن يقال بانقسام الإرادة إلى كونية وهي التنجيزية، وشرعية وهي التي يمكن أن يتخلف معها المراد. كما هو مذهب أهل السنة الذين قدمنا قولهم سابقاً.
وقد اضطر بعض الأشاعرة إلى التسليم بالفرق بين مراد الله المتعلق بالحصول وعدمه، ومراده المتعلق بفعل العبد من حيث هو كسبه خاصة، فقالوا : الأول حاصل لا محالة، والثاني إنما تتعلق به المحبة والرضا والبغض والسخط، كما قاله الشهرستاني رحمه الله.
قال الشهرستاني : "... والسر في ذلك أن الإرادة الأزلية لم تتعلق بالمراد من أفعال العباد من حيث هو مكلف به إما طاعة وإما معصية وإما خيراً وإما شراً، بل لا تتعلق به من حيث هو فعل العبد وكسبه على الوجه الذي ينسب إليه؛ فإن إرادة فعل الغير من حيث هو فعله تَمَنًّ وشهوة، وإنما يتعلق به من حيث هو متجدد متخصص بالوجود دون العدم، متقدر بقدر دون قدر، وهو من هذا الوجه غير موصوف بالخير والشر، وإن أُطلق لفظ الخير على الوجود من حيث هو وجود فذلك إطلاق بمعنى يخالف ما تنازعنا فيه، فالباري تعالى مريد الوجود من حيث هو وجود، والوجود من حيث هو وجود خير، فهو مريد الخير وبيده الخير، وأما الوجه الذي ينسب إلى العبد هو صفة لفعله بالنسبة إلى قدرته واستطاعته وزمانه ومكانه وتكليفه، وهو من هذا الوجه غير مراد للباري تعالى، وغير مقدرو له!! ولما تقرر عندنا بالبراهين السابقة أنه تعالى خالق أعمال العباد كما هو خالق الكون كله، وإنما هو خالق بالاختيار والإرادة لا بالطبع والذات؛ فكان مريداً مختاراً لتجدد الوجود وحدوث الموجود، ثم الوجود خيرٌ كله من حيث هو وجود، فكان مرياداً الخير، وأما الشر فمن حيث هو موجود فقد شارك الخير، فهو مع ذلك شرٌّ محض، فهو تعالى مريد الوجود ومريد الخير، والعبد يريد الخير والشر" (نهاية الإقدام) صفحة 145.

ثم نقل عن الفلاسفة ما يشبه هذا القول، مع أن الفلاسفة أجروه على أصلهم في الإرادة، أما الشهرستاني فخالف بهذا التفريق أصله، لذا لم يوافقه من أصحابه سوى الآمدي. والله أعلم. بيانه: أن الوجود على المشهور من مذهب أصحابه هو عين الموجود، هذا قول أبي الحسن الأشعري، فوجود الشر هو عين الشر لا صفة زائدة على ذاته.
وقيل بل صفة اعتبارية لا وجود لها عند التحقيق، وهو مذهب الرازي وتابعه كثيرون، فلو قلنا إن الشر غير مراد لله من جهة كونه كسباً للعبد وفعلاً له، ولكنه مرادٌ لله من حيث وجوده فقط، لزم أن ليس لله فيه فعل ألبتة، وأن حقيقة الشر وذاته من فعل العبد، وإنما تعلق فعل الله بلا شيء وهو الوجود الذي هو صفة اعتبارية لا وجود لها عند التحقيق.

فإن قيل : بل لله جل وعلا فعلٌ في الحقيقة هي إخراج ذات الشر وحقيقته من حيز العدم إلى الوجود. قلنا : معنى إخراجه من حيز العدم إلى الوجود هو إيجاده، والإيجاد أمر اعتباري لا وجود له في الخارج، فكان حقيقة قولكم هذا أن الله فعل لا شيء. ويقال أيضاً: فإن كان لهذا الفعل وجود في الخارج، فهل وجوده ذات الشر وحقيقته أم غيره؟ إن قلتم بالأول؛ كان الله هو الفاعل للشر على الحقيقة، وبطل ما سطره الشهرستاني رحمه الله، وإن قلتم : بل هو أمر زائدٌ على ذاته. قلنا : فذاك الزائد ليس بشيء على مذهبكم، فيعود الإلزام وهو أن الله لم يفعل في الحقيقة شيء، وإنما الفعل هو للعبد. وهذا خلاف قولكم.
ثم إنه عاد فكرر الكلام في صفحة 145 – 146 بنحو ما تقدم وكان مما قال : "... فما كان من فعل العبد من الذي سميناه كسباً، ووقع على وفق العلم والأمر كان مراداً ومرضياً؛ أعني مراداً بالتجدد والتخصيص مرضياً بالثناء والثواب والجزاء، وما وقع على وفق العلم وخلاف الأمر كان مراداً غير مرضي، أعني مراداً بالتجدد غير مرضي بالذم والعقاب، وهذا هو سر هذه المسألة"
فالمخالف لهم من أهل الحديث والكرامية يقول : فنحن نطلق على المحبة والرضا والبغض والسخط اسم الإرادة، ولا يجب عندنا أن يحصل هذا المراد خاصة، إما لكونه من فعل العبد من حيث هو كسبه كما تقولون، وإما لأن اللغة تتسع لذلك، وقد صرح الشهرستاني بأن الإرادة تطلق ويراد بها الأمر أيضاً على سبيل الاشتراك. فلو فرضنا أنا أخطأنا فغايته أن يكون الخطأ لفظياً، مع أنكم أنتم تفسرون هذه المذكورات بإرادة الثواب والجزاء والعقاب. فحصل الاتفاق على التفرقة من جهة، وعلى صحة إطلاق اللفظ من جهة أخرى.
بل انتهى الشهرستاني إلى التصريح بالتفرقة بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية فقال : " وقد تمسكت المعتزلة بكلمات من ظواهر الكتاب منها قوله تعالى (ولا يرضى لعباده الكفر) وقوله (والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات انم تميلوا ميلاً عظيماً) وقوله (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وقوله (تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة) وقوله (وما الله يريد ظلماً للعباد) وقوله (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم) وقوله (سيقول الذين أشركوا) وقوله (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) وأجابت الأشعرية بتأويلات وتخصيصات.

وأحسن الأجوبة أن نقول إرادة الله ومشيئته أو رضاه ومحبته لا تتعلق بالمعاصي قط من حيث أنها معاص كما لا تتعلق قدرته تعالى بأفعال العباد من حيث هي أكسابهم فيرتفع النزاع ويندفع التشنيع وخرج ما قدرناه من التحقيق وإن شئت حملت كل آية على معنى يشعر به اللفظ ويدل عليه الفحوى.
أما قوله تعالى (ولا يرضى لعباده الكفر) أي لا يرضى لهم ديناً وشرعاً فإنه وخيم العاقبة كثير المضرة..." إلى آخر كلامه.

فانظر كيف أنه رحمه الله يقرر غاية التقرير أن الإرادة المتعلقة بالمتجددات لا تتعلق بالمعصية من حيث هي معصية وكسب للعبد مع أنه أوجدها، وتتعلق بالمعصية من حيث الوجود أو التجدد، مع أنه لم يرضها. فاختلفت جهتي الإرادة. فمع اتفاقه مع أهل السنة في هذا الوجه فإنه يخالفه في أنه يجعل الإرادة واحدة بالعين لفظاً ويفرق بين أفرادها تحقيقاً، وأهل السنة يفرقون بينهما لفظاً وتحقيقاً.
وهنا أمر، وهو أن فودة في رده على ابن أبي العز استنكر قوله في الإرادة أنها نوعان، وهو استنكار غريب. ذلك أنه بناه على أن الإرادة واحدة بالعين، وبالتالي الواحد بالعين لا يكون نوعين. هذا مع أن خصمه لا يسلم له أن الإرادة واحدة بالعين، بل الإرادة غير الرضا وغير المحبة وغير السخط والغضب عنده، فإطلاق لفظ الإرادة عليها هو من باب إطلاق العام على أفراده من ربما على أحد الأوجه التي ذكرناها سابقاً من تواطؤ أو قرينة كون المحبوب مراد حصوله، والمكروه مرادٌ عدمه وغير ذلك، وعند التحقيق فالمحبة ليس بإرادة لأن إرادة حصول المحبوب ليست هي عين المحبة بل لازم لها.
وأنت ترى هنا أن الشهرستاني فرق بين الرضا بل الإرادة لفعل العبد من حيث هي فعله وكسبه، وبين المتعلقة بفعل العبد من حيث تجدده وكونه. مع أن الإرادة عنده وعند أصحابه واحدة بالعين، فكان هو أولى بالنقد من ابن أبي العز الذي يفرق بين الإرادة والرضا والمحبة إلى آخر ما تقدم.

وأخيراً، انتقد فودة على ابن أبي العز تسميتها أحد قسمي الإرادة بالشرعية، وصحح أن يقال : "التشريعية" وهو خطأ من وجهين : الأول : أنه رحمه الله ذكر أنه يدخل في الشرعية الرضا والمحبة، وليسا بتشريع. ثانياً: أنه على فرض أنها خاصة بالتشريع فيجوز تسميتها أيضاً بالشرعية، وذلك كما الله عز وجل (شرع لكم من الدين) فالتشريعية من شرَّع بتشديد الراء، والشرعية من شرَعَ بغير تشديد، وكلاهما بمعنى. ومن الأخير قول البعض "شريعة حاموراي" أي تشريعه.
والحمد لله على ما هدانا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

حبال الضلال الممدودة بين الكوثري وسعيد فودة

هل لسعيد فودة إمام في تحريفه لعبارة الإمام الترمذي ؟

بعض العثرات في عرض سعيد فودة لكتاب" النبوات"

الرد على شبهة : لا داخل العالم ولا خارجه




بسم الله

الرد على شبهة : لا داخل العالم ولا خارجه
----

يقول الشيخ الدكتور محمد بن عبد الرحمن الخميس حفظه الله ورعاه في رسالته نقض قول الفلاسفة في دعواهم أن الله لا داخل العالم ولا خارجه /

الشبهة الخامسة عشر


قول صاحب حسن المحاججة – ما حاصله – ( إن الداخل والخارج ليسا من النقيضين حتى لا يجوز رفعهما بل هما من المتضادين كالحجر والشجر , المتضادان يجوز فضهما فيجوز لنا أن نقول : إن الله لا داخل العالم ولا خارجه , فنفى الدخول والخروج عن الله تعالى , كما يجوز أن نقول : الإنسان لا حجر ولا شجر , لجوزا رفع المتضادين لأنه نقيض الداخل هو اللاداخل , وليس نقيض الداخل هو الخارج , وكذا نقيض الخارج هو اللاخارج , وليس نقيض الخارج هو الداخل .
لأن الشرط في النقيضين أن يكون أحدهما وجودياً والآخر عدمياً , نحو الإنسان واللا إنسان وأما إذا كانا وجوديين نحو الحجر والشجر فهما متضادان وليسا نقيضين ) هذا هو تقرير هذه الشبهة بعبارة واضحة وإن كان سعيد فودة لم يستطع التعبير الجيد عنها. 

الجواب: أن نقول إن هذه الشبهة باطلة من أصلها وذلك من وجهين: 
الوجه الأول – وهو - جواب إنكاري : وهو أننا لا نسلم أن المتناقضين هما المتباينان , اللذان يكون أحدهما وجوداً والآخر عدمياً فإن هذا مجرد اصطلاحكم الباطل , لا نوافقكم على هذا لأنه مخالف للواقع بل المتناقضان هما المتخالفان اللذان لا يجوز اجتماعهما ولا رفعهما عند العقول السليمة سواء  كانا وجوديين أم يكون أحدهما وجودياً والآخر سلبياً .
بشرط أن لا يمكن جمعهما في محل ولا نفيهما عن محل بل لا بد من إثبات أحدهما وقاعدة ذلك أنه إذا لم يكن بينهما واسطة فحينئذ لا يجوز رفعهما ولا جمعهما نحو الزوج والفرد.
فهما من قبيل المتناقضين لا يجوز رفعهما ولا جمعهما , لعدم الواسطة بينهما فالعدد إما زوج وإما فرد , فلا بد من أحدهما فلا يمكن أن يكون هذا العدد زوجاً وفرداً معاً لأن هذا جمع للنقيضين , وكما أنه لا يمكن أن تقول هذا العدد لا زوج ولا فرد .
لأن هذا رفع للنقيضين , وهكذا للحياة والموت لا واسطة بينهما فالشيء إما أن يكون حياً وإما أن يكون ميتاً حتى الجمادات وهكذا الدخول والخروج.فانه لا واسطة بينهما فهما من المتناقضين لا يجوز جمعهما ولا نفيهما.
فلا نقول - زيد خارج عن هذا البيت وداخل فيه, لأن هذا جمع للمتناقضين كما أنك لا يمكن لك أن تقول : زيد لا خارج عن هذا البيت ولا داخل فيه لأن هذا جمع للنقيضين .
فالنقيضان على هذا الاصطلاح أعم منها على اصطلاحكم أيها المعطلة تبعاً للمتفلسفة المشائية اتباع أرسطو تتذرعوا باصطلاحكم هذا إلى جواز سلب النقيضين عن خالق الكون([1]) ؟! .
الحاصل: أنه قد تحقق أن النقيضين قد يكونان كلاهما وجوديين إذا لم يكن بينهما واسطة كالدخول والخروج, فالداخل نقيض الخارج وكذا العكس, لعدم الواسطة بينهما.
فالشيء إما داخل وإما خارج, فإذا كان داخلاً فلا يمكن أن يكون خارجاً معاً دفعة واحدة, وإذا كان خارجاً فلا يمكن أن يكون داخلاً في آن واحد في جهة واحدة. انتهى المقصود.












InsideOutWorld


InsideOutWorld


InsideOutWorld


InsideOutWorld


InsideOutWorld


من الإلزامات القوية للأشاعرة في مسألة العلو 
عبد الله الخليفي
المشاركة رقم 33
للمزيد يرجع الى رسالة الدفاع عن حديث الجارية للكاتب نفسه
http://www.saaid.net/book/10/3502.doc








أن تقول له
هناك أدلة عقلية على علو الله عز وجل على خلقه
فإن قال ماهي ؟
فقل : الموجودات إما أن تكون متحايثة ( أي متداخلة ) أو متباينة ( أي مفترقة )

وقد ثبت عندنا وعندكم أن الله عز وجل غير محايث للمخلوقات بأدلة نقلية وعقلية قد أقمناها سوياً على الجهمية

لن يجد الأشعري جواباً على هذا سوى أن يقول هذا قياس للشاهد على الغائب وحقيقة رب العالمين مختلفة عن خلقه

وهنا يأتي الإلزام فستقول له جميع شبهاتكم العقلية على علو الله من باب قياس الشاهد على الغائب
كقولكم : يلزم من علوه أن يكون محتاجاً إلى العرش
أو أن يكون في حيز
وغيرها من الشبهات المبنية على قياس الشاهد على الغائب
والأشعري هنا يقر ببطلانه ونحن نجيبه بجوابه

وعليه فلا يقول لهم دليلٌ عقلي على نفي العلو وبالتالي لا حاجة لتأويل النصوص او تفويضها
__________________

نقض قول من تبع الفلاسفة في دعواهم أن الله لا داخل العالم ولا خارجه - الدكتور محمد بن عبد الرحمن الخميس

نقض قول من تبع الفلاسفة

في دعواهم أن الله لا داخل العالم ولا خارجه
تأليف

الدكتور محمد بن عبد الرحمن الخميس

طبعة دار الصميعي الرياض

الطبعة الاولى 1416 هـ

رابط التحميل :

http://www.archive.org/download/na9d-9awl/na9d-9awl.pdf


أو من مكتبة الرد على الاشاعرة


جواب عن شبهة : " لا داخل العالم ولا خارجه "

عبد الباسط بن يوسف الغريب



إن الحمد لله, نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل الله فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:
عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله هو العلي الأعلى على عرشه استوى , وأهل السنة يثبتون هذه الصفة لله تعالى بالسمع والنظر ؛أما السمع ففي الكتاب والسنة أكثر من ألف دليل على علو الله تعالى كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ؛ وأما النظر فمن أدلة أهل السنة على علو الله كما ذكر الإمام أحمد رحمه الله في مناظرته للجهمية :

قال : إذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أن الله في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان فقل أليس الله كان ولا شيء؟ فيقول نعم فقل له حين خلق الشيء خلقه في نفسه أو خارجا من نفسه فإنه يصير إلى ثلاثة أقوال لا بد له من واحد منها إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه كفر حين زعم أن الجن والإنس والشياطين في نفسه.

وإن قال خلقهم خارجا من نفسه ثم دخل فيهم كان هذا كفرا أيضا حين زعم أنه دخل في مكان وحش قذر رديء .
وإن قال خلقهم خارجا من نفسه ثم لم يدخل فيهم رجع عن قوله أجمع وهو قول أهل السنة .
الرد على الزنادقة والجهمية (40)
فكان من أدلة أهل السنة على ذلك بأن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان ؛ وهذا مما اتفق عليه العقلاء .
فإذا قيل هو داخل العالم أو خارجه لا بد من إثبات أحدهما فهما نقيضان ولا يصح أن يخلو عن واحد منهما. 

جواب الأشاعرة على هذا الدليل النظري ورد أهل السنة عليهم


فأجاب المتكلمون كالأشاعرة على قول أهل السنة " النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان" أن ذلك إنما يكون بالنسبة إلى ما هو قابل للاتصاف بالشيء أو بنقيضه فهو الذي يجب في حقه الاتصاف بأحدهما ويستحيل خلوه عنهما فلا يصح أن يقال مثلا أن هذين الجسمين ليسا متصلين ولا منفصلين لأن الجسم قابل للاتصال والانفصال فلا بد من أحدهما ولكن الرب سبحانه ليس من شأنه لأن يتصف بالدخول ولا بنقيضه فيجوز حينئذ نفيهما عنه معا ولا يترتب على ذلك محال. 
شرح القصيدة النونية (1|191) لهراس
قال الغزالي : فإن قيل فنفي الجهة يؤدي إلى المحال، وهو إثبات موجود تخلو عنه الجهات الست ويكون لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلاً به، ولا منفصلاً عنه، وذلك محال، قلنا: مسلم أن كل موجود يقبل الاتصال فوجوده لا متصلاً ولا منفصلاً محال، وإن كان موجود يقبل الاختصاص بالجهة فوجوده مع خلو الجهات الست عنه محال، فإما موجود لا يقبل الاتصال، ولا الاختصاص بالجهة فخلو عن طرفي النقيض غير محال، وهو كقول القائل يستحيل موجود لا يكون عاجزاً ولا قادراً ولا عالماً ولا جاهلاً فإن أحد المتضادين لا يخلو الشيء عنه، فيقال له إن كان ذلك الشيء قابلاً للمتضادين فيستحيل خلوه عنهما وأما الجماد الذي لا يقبل واحداً منهما لأنه فقد شرطهما وهو الحياة، فخلوه عنهما ليس بمحال. فكذلك شرط الاتصال والاختصاص بالجهات التحيز والقيام بالمتحيز. فإذا فقد هذا لم يستحل الخلق عن متضادته فرجع النظر إذاً إلى أن موجوداً ليس بمتحيز، ولا هو في متحيز، بل هو فاقد شرط الاتصال، والاختصاص هل هو محال أم لا ؟ فإن زعم الخصم أن ذلك محال وجوده فقد دللنا عليه بأنه مهما بان، أن كل متحيز حادث وأن كل حادث يفتقر إلى فاعل ليس بحادث فقد لزم بالضرورة من هاتين المقدمتين ثبوت موجود ليس بمتحيز. أما الأصلان فقد أتبتناهما وأما الدعوى اللازمة منهما فلا سبيل إلى جحدها مع الإقرار بالأصلين. الاقتصاد في الاعتقاد (15)  

جواب أهل السنة على ذلك

فأجاب أهل السنة على قول الأشاعرة بأن التفرقة بين القابل وغير القابل دعوى مجردة عن الدليل ومبنية على اصطلاح الفلاسفة الذين يزعمون أن التقابل إن كان بين الوجود والعدم كأن يقال الشيء إما موجود أو معدوم استلزم هذا التقابل الحكم عليه بأحدهما وأما إن كان تقابلا بين الملكة وعدمها كما في التقابل بين الحياة والموت والعلم والجهل والبصر والعمى إلخ فإن هذا التقابل لا يستلزم الاتصاف بأحدهما أي بالملكة أو بعدمها إلا فيما هو قابل للاتصاف بهما فلا يوصف بالموت مثلا إلا من شأنه أن يكون حيا ولا يوصف بالجهل إلا ما هو قابل للعلم ولا يوصف بالعمى إلا ما كان ذا بصر وهكذا.

قال أهل السنة : وهذا اصطلاح فاسد مخالف لما هو معروف عند أهل اللغات جميعا من جواز نفي الشيء عما هو له قابل وعن غيره .
وهذا لازم لكم أيضا فأنتم تنفون عنه الظلم سبحانه مع أنه غير قابل له عندكم لأن الظلم في حقه محال ممتنع .
وكذلك تنفون عنه السنة والنوم مع أنه غير قابل للاتصاف بشيء من ذلك لاستحالته عليه وتنفون عنه الطعم أيضا وقد نفاه سبحانه عن نفسه في قوله { وهو يطعم ولا يطعم } مع أن الطعم ليس مما يقبل الاتصاف به وتنفون عنه كذلك الزوجة والولد وهما محلان عليه ممتنعان .
قال أهل السنة :ومما يدل على أن الشيء قد يقع وصفا لغير ما هو قابل له أن الله قد وصف الجماد في كتابه بالموت والصمم والعمى ونفى عنه الشعور والنطق والقدرة على الخلق قال الله تعالى :{ والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون} وقال { ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها } وقال حكاية عن إبراهيم { يا أبت لم تعبد ملا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا } ومعلوم أن الجماد غير قابل للاتصاف بملكات هذه الأعدام من الحياة والسمع والبصر إلخ ومع ذلك جاز اتصافه بهذه الأعدام .
وقال أهل السنة : ولو سلمنا لكم بصحة هذا الشرط وهو قابلية الموصوف للاتصاف وأن غير قابل يجوز خلوه عن الشيء ومقابلة فإنما يكون ذلك في الضدين اللذين قد يرتفعان معا عن الشيء مثل البياض والسواد ولا يجوز في النقيضين الذين لا يرتفعان ولا يجتمعان ومعلوم أن التقابل بين دخوله سبحانه في العالم وبين مباينته له هو من قبيل التقابل بين النقيضين فلا بد من ثبوت أحدهما له .
وقالوا لهم : إن نفيكم عنه قبول أحد هذين الوصفين الدخول والخروج من شأنه أن ينفي إمكان وجوده فضلا عن أن يكون واجب الوجود بل هذا يجعله من قبيل المعدوم الممتنع وهو يشبه في الفساد نفي القيام بالنفس والقيام بالغير عنه بحجة أنه ليس من شأنه الاتصاف بواحد منهما مع أن العقل والفطرة يقضيان بأن كل موجود فإما أن يكون قائما بنفسه أو قائما بغيره فإذا استحال أن يقوم بغيره وجب أن يكون قائما بنفسه .
شرح القصيدة النونية (1|193) للهراس بتصرف يسير

 تبيان تخبط من نفى العلو باللا داخل وجهله بالنقيضين ورفعهما
أبو البراء الكناني (بتصرف)

أيها الأخوة الأعزاء ...

قرأت في منتدى الأصلين موضوعاً لأحد الإخوة الأشاعرة بعنوان:
تائه ولا أعرف ماذا أفعل ! ! ! 
وكان مما قاله صاحب الموضوع:


فلو قلت أن الله ليس داخل العالم وليس خارجه , فهذا رفع للنقيضين بالفعل , ولكنه واجب فى حالة ومستحيل فى حالة أخرى.


فعلق سعيد فودة على هذه العبارة بقوله بالحرف:


إن نقيض الداخل هو : "لا داخل" 
وكلمة "لا داخل" تصدق على "الخارج" وعلى "المعدوم". 
فإن كان لا داخل العالم وكان جسما موجودا، فإنه لا بدَّ أن يكون خارج العالم، أي موجودا وله حيز ، وحيزن وحده ليس جزءا من حيز العالم. 
أما إن كان "لا داخل العالم" و "لا خارج العالم" وكان موجودا أيضا فإن وجوده ليس من حقيقة وجود هذا العالم، ولا نسبة بينه وبين هذا العالم من حيث الوجود، فلا هو فوق ولا تحت ....الخ، ومع ذلك فهو موجود. 
حاصل الكلام: تنبه إلى أن العلاقة بين "داخل" و "خارج" ليست علاقة التناقض. فإنها إن كانت علاقة التناقض فلا يجوز رفعهما معا مطلقا.
أرجو أن ترجع إلى كتابي نقض التدمرية، فقد وضحت فيها ذلك . 

وفقك الله.


أقول:
بين المخالف هنا أن نقيض (داخل) ليس هو (خارج) وبالتالي فإن عبارة (لا داخل ولا خارج) ليست رفعاً للنقيضين.
ثم بين أن نقيض (داخل) هو (لا داخل) بمعنى أن رفع النقيضين يكون بقول القائل (لا "داخل" ولا "لا داخل") 
ثم بين أن "لا داخل" تصدق على "الخارج" وعلى "المعدوم".

وهنا لسائل أن يسأل: 
إذا قيل إن شيئاً "لا داخل العالم" فعلام يصدق هذا الكلام بناء على قول المخالف؟
واضح أنه يصدق على واحد من اثنين؛ إما "خارج العالم" وإما "المعدوم".
فإن كان هذا الشيء موجوداً غير معدوم؟
واضح أنه يجب أن يكون خارج العالم.

فإذا تابعنا على نفس طريقة المخالف فسوف نقول كذلك:
"لا خارج" تصدق على "الداخل" وعلى "المعدوم".

فإن قيل إن شيئاً "لا خارج العالم" فعلام يصدق هذا الكلام؟
إنه يصدق على واحد من اثنين إما "داخل العالم" وإما "المعدوم".
فإن كان هذا الشيء موجوداً لا غير؟
واضح أنه يجب أن يكون داخل العالم.

فلنرتب الكلام إذاً؛ فعندما يقول الأشاعرة وغيرهم إن الله عز وجل:

لا داخل العالم و لا خارج العالم
فهذا يصدق على ما يلي: (خارج العالم أو معدوم) و (داخل العالم أو معدوم) 

فمعنى هذه العبارة لا يخرج عن احتمالات أربعة -بغض النظر عن إمكان وقوعها-:
1- خارج العالم وداخل العالم.
2- خارج العالم ومعدوم.
3- معدوم وداخل العالم.
4- معدوم ومعدوم.

فإذا قيل إن الموصوف ب (لا داخل العالم ولا خارج العالم) موجود لا معدوم فلا يبقى سوى الاحتمال الأول:
خارج العالم وداخل العالم !!
وحيث إن (خارج) ليس نقيض (داخل) كما بين المخالف فليست هذه العبارة السابقة جمعاً للنقيضين فهي مقبولة عقلاً عنده فيلزمه القول بها كي لا يقول بالعدم، على الرغم مما فيها من مخالفة لمقصوده بل ومخالفة للفظ العبارة ( لا داخل ولا خارج) !
ومن هنا نستطيع أن نفهم مقالة الجهمية إن الله -تعالى عن قولهم- في كل مكان، على تقدير أنهم يقولون إن خارج العالم مكان، وليس هذا التقدير مستبعداً عنهم لا سيما إن كانوا يوافقون المخالف على قوله في بحث (المحاججة):

فيقال لهم[يريد مثبتي علو الله جل وعلا على عرشه]: العرش مكانٌ، فيصبحُ الله على مكان!!
ويقولون: فوق العرش بلا مكان، فيقال لهم: الشيء الموجود فوق مكان لا بدَّ أن يكون له مكان.

لأن هذا القول يجوز أن يكون هناك مكان خارج العالم الذي منتهاه العرش.

على كل حال ...
فنحن نحسن الظن بالمخالف وأنه ما أراد هذا الذي تقوله الجهمية ولا يقرهم عليه، ولكننا أردنا أن ننبه إلى أن ما أراد الفرار منه؛ وهو القول بما تضافرت عليه أدلة الكتاب والسنة وبما اتفق عليه السلف الصالح من علو الله عز وجل وفوقيته على عرشه لأن ذلك عنده يستلزم التجسيم، لم يتم له إلا بالوقوع فيما هو شر منه، حيث يلزم من وجود الله سبحانه وتعالى لا داخل ولا خارج العالم أن يكون في كل مكان.

وخلاصة الكلام أن عبارة (لا داخل العالم ولا خارج العالم)

1- إما أن تكون رفعاً للنقيضين، على قول.
2- أو أن تكون وصفاً للمعدوم، على قول آخر.
3- أو أن تكون بمعنى داخل العالم وخارج العالم. 

وهي بكل الأحوال لا تحقق مراد المخالف في التنزيه.

والله أعلم.